حين يتحدث الغرباء عن المهنة… تسقط الأقنعة ويستبيح المتطفلون الحرمات
بقلم الصحفي :أحمد الزوين
في لحظات التحول الفوضوي التي يعيشها المشهد الإعلامي، لم يعد الخطر في الخطأ المهني وحده، بل في ذلك التسيّب الذي جعل من كل منصة منبرًا، ومن كل حساب محكمة، ومن كل متطفل “خبيرًا” في تصفية الحسابات.
لقد تلاشت، على نحو مقلق، الحدود الفاصلة بين من امتهن الصحافة عن علم وتكوين ومسؤولية، وبين من اقتحمها بلا عدة معرفية ولا سند أخلاقي، مكتفيًا بضجيج الافتراض، وسهولة الاتهام، ورغبة جامحة في صناعة “السبق” ولو على حساب السمعة والاعتبار.
وفي خضم هذا العبث، يتعرض الزميلان سفيان رشيدي وهشام فرج لهجمة لا يمكن إدراجها في خانة النقد المهني، ولا حتى في خانة الاختلاف الطبيعي في الرأي، بل تبدو أقرب إلى حملة تشويه تستهدف المسّ بالجهد المهني والاعتبار الشخصي أكثر مما تستهدف مناقشة الأفكار أو تقييم الأداء.
والمؤلم في هذا السياق ليس الاختلاف، فذلك جوهر الممارسة الصحفية وشرط من شروط حيويتها، بل المؤلم أن يتحول “النقد” إلى سلاح جاهز في يد مجهولين، وأن يُستبدل ميزان الحجة بميزان التشهير، وأن يُختزل العمل الإعلامي في تصفية حسابات افتراضية لا تمت إلى المهنة ولا إلى أخلاقياتها بصلة.
إن من يعرف الزميلين عن قرب يدرك أنهما ليسا طارئين على الميدان، ولا دخيلين على قضاياه، بل هما ابنا تكوين أكاديمي وإعلامي، تشربا أبجديات المهنة في فضاءاتها الحقيقية، حيث تُوزن الكلمة بميزان المسؤولية قبل أن تُنشر، ويُقاس الموقف بمدى احترامه للحقيقة قبل أي شيء آخر. وفي الملاعب، حيث تتقاطع حرارة المنافسة مع ضغط المتابعة، كان حضورهما عنوانًا للكفاءة والهدوء والالتزام المهني، وهي شهادات لا يمنحها سوى الاحتكاك المباشر والتجربة الميدانية.
إن ما يجري اليوم يطرح سؤالًا أكبر من الأشخاص: أي إعلام نريد؟ إعلام يُبنى على التكوين والضوابط والأخلاق، أم فوضى رقمية يعتلي فيها الصوت المرتفع مكانة الدليل، ويصبح فيها الاتهام أسهل من التحقق؟
لقد صار لزامًا التذكير بأن حرية التعبير ليست تفويضًا مفتوحًا للتجريح، وأن النقد لا يكون نقدًا إلا حين يستند إلى معرفة وحجة ومسؤولية، لا إلى رغبة في التشهير أو الانتقاص. فالكلمة، مهما بدت عابرة، قد تكون أداة بناء كما قد تكون وسيلة هدم، والمسؤولية المهنية تقتضي التمييز بين الحق في التعبير والاعتداء على كرامة الآخرين.
وإننا، إذ نعلن تضامننا الكامل مع الزميلين سفيان رشيدي وهشام فرج، فإننا لا ندافع عن أشخاص بقدر ما ندافع عن فكرة؛ فكرة أن المهنة لا تُختزل في الضجيج، وأن الكلمة أمانة قبل أن تكون موقفًا، وأن من لا يحترم أصولها لا يحق له أن يتحدث باسمها.
سيبقى الإعلام الحقيقي أكبر من حملات التشويه، وأعلى من أن تطاله سهام العبث، وأقوى من أن تهزه أصوات عابرة لا تعرف من المهنة سوى اسمها.
وفي النهاية، لا يصح إلا الصحيح، وتبقى الحقيقة قادرة على فرض حضورها مهما ارتفع ضجيج التشكيك. :::
