إعلان الشعار

الإرث البرامجي بين الماضي وتحديات المستقبل: قراءة في تحولات البرامج العمومية بين منطق التراكم الإداري ورهانات الفعالية العمومية


بقلم: عمر خصبي
في النقاش العمومي حول إصلاح الإدارة وتحديث الدولة، غالباً ما يتم التركيز على القوانين الجديدة أو الإصلاحات المؤسساتية الكبرى، بينما يقل الاهتمام بمسألة لا تقل أهمية، وهي الإرث البرامجي الذي راكمته الدولة عبر عقود من الممارسة والتدبير. فالبرامج العمومية ليست مجرد وثائق مالية أو إدارية، بل هي انعكاس لطريقة تفكير الدولة في التنمية، وترجمة عملية لعلاقتها بالمجتمع وتصورها لأولويات التدخل العمومي.
لقد ارتبطت البرامج العمومية في المغرب، منذ مرحلة بناء الدولة الوطنية، بمنطق التأسيس وتوسيع نطاق الخدمات العمومية وترسيخ المؤسسات. وكان ذلك استجابة طبيعية لرهانات مرحلة الاستقلال وما فرضته من حاجيات مرتبطة ببناء المرافق العمومية وضمان الاستقرار الإداري والاجتماعي. غير أن هذا المسار، رغم ما حققه من مكتسبات مهمة، أفرز مع مرور الزمن نمطاً من التدبير ركز في كثير من الأحيان على تعبئة الوسائل والاعتمادات أكثر من تركيزه على قياس النتائج والأثر الفعلي للسياسات العمومية.
ومن هنا تشكل ما يمكن تسميته بالإرث البرامجي، وهو إرث يحمل في طياته جوانب قوة تتمثل في استمرارية العمل المؤسساتي وتراكم الخبرة الإدارية، لكنه يحمل أيضاً عدداً من الاختلالات المرتبطة بضعف التشخيص، وتشتت الأولويات، وصعوبة الربط بين الموارد المرصودة والنتائج المنتظرة. لذلك لم يعد السؤال اليوم مرتبطاً فقط بحجم الموارد التي تعبئها الدولة، بل بمدى قدرتها على تحويل تلك الموارد إلى قيمة عمومية محسوسة يستفيد منها المواطن.
وتكشف التحولات التي تعرفها الإدارة الحديثة عن وجود انتقال تدريجي من منطق قانوني تقليدي كان يركز أساساً على احترام المساطر وضمان المشروعية، إلى منطق تدبيري جديد يجعل النجاعة والفعالية والأداء في صلب الاهتمام. فالمشروعية القانونية تظل شرطاً أساسياً لكل تدخل عمومي، لكنها لم تعد وحدها كافية للحكم على نجاح السياسات والبرامج. فالإدارة المعاصرة مطالبة اليوم بأن تثبت قدرتها على تحقيق النتائج، وأن تقدم إجابات ملموسة عن حاجيات المجتمع المتغيرة.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في القطيعة مع الإرث البرامجي المتراكم، بل في إعادة توظيفه وتطويره. فكل إصلاح ناجح يحتاج إلى الاستفادة من التجارب السابقة بدل تجاهلها، لكنه يحتاج أيضاً إلى الجرأة الكافية لتجاوز حدودها واختلالاتها. لذلك فإن المستقبل يفرض الانتقال من ثقافة تدبير الوسائل إلى ثقافة تدبير النتائج، ومن منطق الإنفاق إلى منطق الأثر، ومن الإدارة التي تكتفي بتنفيذ البرامج إلى الإدارة التي تقيس مردوديتها وتعيد تقييم اختياراتها بشكل مستمر.
إن الدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على سن القوانين أو إعداد البرامج، بل بقدرتها على جعل تلك البرامج تحدث فرقاً حقيقياً في حياة المواطنين. ولذلك فإن الرهان المطروح اليوم يتمثل في تحويل الإرث البرامجي من مجرد ذاكرة إدارية متراكمة إلى رصيد استراتيجي يساعد على بناء برامج أكثر دقة ومرونة وفعالية، ويعزز الثقة في المؤسسات ويجعل الفعل العمومي أكثر قدرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع.

قد يعجبك ايضا
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق