نفس الوجوه، نفس الوعود… فمتى تتغير النتائج
بقلم يونس ابو الفرج
مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يتكرر مشهد بات مألوفًا: حضور مكثف في الفضاء العام، صور تنتشر في كل مكان، وخطاب يُعاد تقديمه باعتباره ح صيلة “إنجازات” تمت خلال مرحلة التدبير. غير أن التوقف عند هذه الصورة المتكررة يفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول طبيعة هذه الإنجازات، وحدود ما يُقدَّم باعتباره نتائج فعلية.
فجزء غير قليل مما يُروَّج له لا يتجاوز، في جوهره، كونه من أبسط حقوق المواطن. حقوق كان من المفترض أن تكون بديهية، وأن تتحقق في سياق طبيعي للتدبير العمومي، دون أن تتحول إلى مادة للتسويق أو الاستعراض السياسي. هنا تحديدًا يبرز سؤال جوهري: هل نحن أمام إنجازات تُحدث تحولًا حقيقيًا في حياة المواطنين، أم أمام إعادة تغليف لما كان ينبغي أن يكون قائمًا منذ البداية؟
ما يلفت الانتباه أيضًا هو استمرارية نفس الوجوه في مواقع المسؤولية لسنوات طويلة، وما يرافق ذلك من خطاب يتكرر، وأحيانًا من حصيلة تبدو وكأنها تعيد إنتاج نفسها. في المقابل، لا يقف المجتمع في مكانه. حاجيات المواطنين تتطور، انتظاراتهم تتسع، وسقف تطلعاتهم يرتفع مع الزمن، ومع تحولات السياق الاقتصادي والاجتماعي.
لقد أصبح المواطن اليوم أكثر وعيًا بطبيعة ما يُقدَّم له. لم يعد يبحث فقط عن التسيير اليومي للشأن العام، بل عن الأثر الحقيقي لهذا التسيير على حياته. لم تعد الوعود تكفي، ولا الخطابات وحدها قادرة على الإقناع، بل أصبح معيار التقييم مرتبطًا بما ينعكس فعليًا على جودة العيش، وفرص العمل، والخدمات الأساسية، والعدالة في توزيع الإمكانيات.
صحيح أن التجربة والخبرة في تدبير الشأن العام عنصران مهمان لا يمكن التقليل من قيمتهما، لكنهما قد يفقدان معناهما حين يتحولان إلى تكرار بدل أن يكونا رافعة للتطوير. فحين يصبح الاستمرار في المواقع نفسها مجرد امتداد للأنماط ذاتها، فإن الفعل العمومي يفقد جزءًا من قدرته على التجدد والإقناع.
في هذا السياق، يطرح تحدٍ أساسي نفسه: ليس فقط في شغل مواقع المسؤولية، بل في القدرة على تجديد الرؤية والأدوات، وفتح المجال أمام طاقات وكفاءات جديدة قادرة على مقاربة القضايا العامة بطرق مختلفة، وأكثر انسجامًا مع التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم من حولنا. فالإشكالات اليوم لم تعد ثابتة، والرهانات أصبحت أكثر تعقيدًا، ولا يمكن مواجهتها بعقليات وأدوات صُممت لزمن مختلف.
في نهاية المطاف، لم يعد المواطن يقيس الخطاب السياسي ببلاغته أو زخمه، بل بمدى انعكاسه الملموس على حياته اليومية. يريد نتائج يمكن رؤيتها، لا وعودًا تُسمع فقط. وفي إطار احترام المؤسسات وثوابت الدولة، يبقى تطوير الأداء العمومي وتعزيز نجاعة التدبير مسؤولية مشتركة، هدفها الأول والأخير هو خدمة المواطن واستعادة ثقته.
فالاستمرارية قد تمنح إحساسًا بالاستقرار، لكنها وحدها لا تصنع التقدم. أما التجديد، حين يكون مسؤولًا ومدروسًا، فهو ما يمنح للفعل العمومي معناه الحقيقي. وليس طول البقاء في موقع المسؤولية دليلًا على الأثر، بقدر ما قد يكون التغيير، في لحظات معينة، شرطًا لإعادة إطلاق الفعل من جديد على أسس أكثر فاعلية وواقعية.
