إعلان الشعار

فاطنة الخضارة… الحارسة الشخصية لبائع النعناع الصغير

قرب فاطنة الخضارة… حكاية امرأة صارت عنواناً للمكان

بقلم الأستاذ الحبيب الدائم ربي
لم يكن الخبر الذي انتشر يوم العيد بين شعاب أولاد جرار، وتردد صداه في أزقة البنورية، مجرد إعلان عن وفاة امرأة قدمت ذات يوم من تخوم دكالة المنسية، بل كان إيذاناً بأفول وجه إنساني ظل لعقود يضيء حياة البسطاء، ويمنح المكان دفئه ومعناه.
فحين يغيب أشخاص من طينة فاطنة، لا تفقد المدن أحد سكانها فحسب، بل تفقد جزءاً من روحها. كانت أكثر من بائعة خضر؛ كانت علامة فارقة في الذاكرة الجماعية، ومرجعاً يومياً في لغة الناس وحكاياتهم. يكفي أن يُقال: “قرب فاطنة الخضارة”، حتى تتحدد الجهات وتستقيم الخرائط.
جاءت فاطنة من أولاد جرار تامدة، من بيئة قاسية كان الكفاح فيها قدراً يومياً، والفقر رفيقاً دائماً. لم تتح لها فرصة التعلم النظامي، ولم تعرف مقاعد الدراسة، لكن مدرسة الحياة عوضتها عن ذلك كله. فقد صاغتها التجارب، وربتها الشدائد، ومنحتها من الحكمة ما لا تمنحه الكتب أحياناً.
بدأت رحلتها من أسواق المنطقة الأسبوعية، متنقلة بين جمعة مطل، واثنين بوشان، وثلاثاء سيدي بنور، وأربعاء أولاد عمران. كانت تقطع المسافات الطويلة وتواجه قسوة الظروف وسط عالم تجاري شديد المنافسة، لا يرحم الضعفاء. لكنها استطاعت، بإرادة صلبة وعزيمة نادرة، أن تحجز لنفسها مكانة محترمة بين الجميع.
وعندما استقرت بالبَنورية، لم تتخل عن روح المكابدة التي صنعتها. واصلت عملها بجد وإخلاص حتى أصبح اسمها جزءاً من هوية المكان. فكل من يعرف شارع الهيدروليك وما جاوره يدرك أن كثيراً من المعالم كانت تُعرَّف بالنسبة إليها، وكأنها البوصلة التي تهتدي بها الذاكرة الشعبية.
غير أن شهرتها لم تكن قائمة على المال أو النفوذ، بل على ما هو أبقى وأعمق: الصدق، والأمانة، والشهامة، وحب الناس. كانت حاضرة في الأفراح قبل أصحابها، وسريعة إلى المواساة عند الشدائد. تمد يد العون للمحتاج، وتساند المريض، وتساعد من ضاقت به السبل، دون انتظار مقابل أو شكر.
أما بالنسبة إليّ، فإن الحديث عن فاطنة ليس مجرد استحضار لسيرة امرأة عرفها الناس، بل هو استدعاء لذكرى شخصية محفورة في الوجدان.
كنت طفلاً صغيراً أبيع النعناع والقزبر وبعض الخضروات الموسمية في الأسواق الأسبوعية خلال العطل المدرسية. كانت بضاعتي المتواضعة كثيراً ما تتعرض للإتلاف أو المصادرة، سواء من بعض الباعة الأقوى نفوذاً أو من أعوان السلطة. ووسط ذلك الخوف والعجز، كانت فاطنة تتدخل بما تستطيع، مدفوعة بإحساسها الفطري بالعدل والإنصاف.
لم تكن تملك سلطة ولا جاهاً، لكنها كانت تملك شجاعة الوقوف إلى جانب المظلوم. كانت تدافع عني كما تدافع الأم عن أحد أبنائها، وتحاول استرجاع ما يمكن استرجاعه من رزقي البسيط. وربما لم تكن تدرك آنذاك أن تلك المواقف الصغيرة كانت تزرع في نفسي بذور الثقة بالإنسان وبقيم الشهامة والنبل.
ولم يكن ذلك السلوك استثناءً يخصني وحدي، بل كان طبعاً راسخاً فيها، عرفه كل من احتك بها أو عاشرها.
ورغم أن دروب الحياة فرقت بيننا مع مرور السنوات، ظل خيط التواصل قائماً. وأذكر جيداً يوم توفي والدي رحمه الله، حين جاءت لتعزيني. لم تدخل بيت العزاء، كما كانت عادتها، لكنها وقفت في الشارع تنتظرني حتى أخرج إليها. يومها قدمت كلمات قليلة، لكنها كانت صادقة وعميقة إلى درجة جعلتها أبلغ من كثير من الخطب والكلمات.
ومنذ سنوات، كنت أرى أن هذه المرأة تستحق التفاتة تليق بمسارها الإنساني. لذلك اقترحت على بعض الفاعلين الجمعويين في المدينة أن يتم تكريمها، ولو بشكل رمزي. وقد تحقق ذلك بالفعل، وكانت فرحتها كبيرة بذلك الاعتراف البسيط في شكله، العميق في معناه.
كما أذكر زيارة جمعتني بها قبل سنوات رفقة الصديق الدكتور عبد الله العكوشي، الذي ظل يحتفظ بذكريات جميلة عن قهوتها المميزة التي كانت تعدها بخلطة خاصة اشتهرت بها. يومها وجدنا أن المرض قد أنهكها، وأن الذاكرة بدأت تتعب. بالكاد تعرفت علينا بعد جهد، وكأنها كانت تستعد بهدوء لرحلتها الأخيرة.
اليوم، وقد غادرت فاطنة هذه الدنيا، يبقى أثرها حياً في نفوس من عرفوها. ستظل الأزقة والشوارع التي اقترن اسمها بها شاهدة على امرأة صنعت من البساطة قيمة، ومن الكفاح رسالة، ومن حضورها ملاذاً للمحتاجين والضعفاء.
رحلت فاطنة الخضارة، لكن سيرتها ستبقى حاضرة في ذاكرة البنورية وأولاد جرار، وفي قلوب كل من لمس خيرها أو عرف شهامتها.
رحمها الله رحمة واسعة، وأسكنها فسيح جناته، وجعل ما قدمته من خير وعون ونصرة للمحتاجين في ميزان حسناتها.
إنا لله وإنا إليه راجعو

قد يعجبك ايضا
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق